المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أن تملك... أم... أن تكون ؟!


qwzler
09-14-2009, 06:47 AM
أن تملك... أم... أن تكون ؟!

هناك .....

‏نمطين‏ ‏يشكلان‏ ‏طريقين‏ ‏أو‏ ‏اتجاهين‏ ‏فى ‏الحياة‏.

1- ‏نمط‏ ‏التملك.‏ ‏

‏2- نمط‏ ‏التحقق‏ ‏الوجودى ‏أو‏ ‏الكينونة‏.

‏وكلا‏ ‏النمطين‏ قائم‏ ‏فى ‏طبيعة‏ ‏الكائنات‏ ‏البشرية‏.

‏فالأول:‏نمط‏ ‏التملك‏ ‏أو‏ ‏الإقتناء‏ ‏يدين‏ ‏بقوته‏ ‏فى ‏التحليل‏ ‏الأخير‏ ‏للعامل‏ ‏البيولوجى ‏الذى ‏هو‏ ‏الرغبة‏ ‏فى ‏البقاء‏.

‏والثاني‏:

‏نمط‏ ‏الوجود‏ ‏، ‏المشاركة‏ ، ‏العطاء‏ ، ‏التضحية‏ ‏،‏ ‏يدين‏ ‏بقوته‏ ‏للسمات‏ ‏الخاصة‏ ‏للوجود‏ ‏الإنسانى ‏وللحاجة‏ ‏الفطرية‏ ‏للتغلب‏ ‏على ‏الوحدة‏ ‏الفردية‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الإندماج‏ ‏مع‏ ‏الآخرين‏.‏

ويتضح:‏ ‏
من‏ ‏حقيقة‏ ‏أن‏ ‏هذين‏ ‏الإتجاهين‏ ‏المتضادين‏ ‏قائمان‏ ‏فى ‏طبيعة‏ ‏كل‏ ‏كائن‏ ‏بشري‏ ، ‏أن‏ ‏التركيب‏ ‏الإقتصادى ‏ـ‏ ‏الإجتماعى ‏بقيمه‏ ‏ومعاييره‏ ، ‏يحدد‏ ‏أيهما‏ ‏تكون‏ ‏له‏ ‏الغلبة‏ ...!

هناك‏ ‏نوعان‏ ‏من‏ ‏التملك‏: ‏

أولهما‏:

‏الميل‏ ‏الطبيعى ‏لامتلاك‏ ‏أشياء‏ ‏معينة‏ ‏نستعملها‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏استمرار‏ ‏الحياة‏.

‏وثانيهما‏:

‏وهو‏ ‏ما‏ ‏نعنيه‏ ‏حينما‏ ‏نتحدث‏ ‏عن‏ ‏نمط‏ ‏التملك‏ ، أي ‏الرغبة‏ ‏فى ‏الإمتلاك‏ ‏والإقتناء‏ ‏وهى ‏رغبة‏ ‏مكتسبة‏ ‏بفعل‏ ‏ظروف‏ ‏اجتماعية‏ ‏معينة‏.‏

والواقع‏ ‏أن:‏

‏نظرتنا‏ ‏للملكية‏ ‏الخاصة‏ ‏منحازة‏ ‏للغاية‏ ‏لأننا‏ ‏نعيش‏ ‏فى ‏مجتمع‏ ‏آعمدته‏ ‏الملكية‏ ‏الخاصة‏ ، ‏والربح‏ ، ‏والقوة‏.

‏فالشائع‏ ‏أن:‏

‏الملكية‏ ‏الخاصة‏ ‏مقولة‏ ‏طبيعية‏ ‏وعالمية‏ ، ‏بينما‏ ‏الواقع‏ ‏أنها‏ ‏الإستثناء‏ ‏لا‏ ‏القاعدة‏.

‏اذ‏ ‏لو‏ ‏أخذنا‏ ‏فى ‏الإعتبار‏ ‏التاريخ‏ ‏الإنسانى ‏بأسره ( ‏بما‏ ‏فيه‏ ‏فترة‏ ‏ما‏ ‏قبل‏ ‏التاريخ ‏) ‏وبوجه‏ ‏خاص‏ ‏الثقافات‏ ‏غير‏ ‏الأوربية‏ ‏حيث‏ ‏الإقتصاد‏ ‏لا‏ ‏يشكل‏ ‏محور‏ ‏الحياة‏ ‏الرئيسي‏ ، ‏فسنجد‏ ‏أن‏ ‏تاريخ‏ ‏الملكية‏ ‏الخاصة‏ ‏قصير‏ ‏بالنسبة‏ ‏لأنواع‏ ‏الملكية‏ ‏الأخرى ‏العديدة‏.

لكن‏ ‏مجتمعنا‏ ‏الصناعى ‏تسوده‏ ‏معايير‏ ‏تدور‏ ‏حول‏ ‏الرغبة‏ ‏فى ‏حيازة‏ ‏الآشياء‏ ، ‏والإحتفاظ‏ ‏بها‏ ‏واستثمارها‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الربح‏ ، ‏ويصبح‏ ‏من‏ ‏يمتلك‏ ‏أكثر‏ ‏موضع‏ ‏الإعجاب‏ ‏ويحتل‏ ‏صدارة‏ ‏المجتمع‏.‏

ولا‏ ‏تقتصر‏ ‏خاصة‏ ‏الملكية‏ ‏على ‏ملكية‏ ‏الأشياء‏ ‏بل‏ ‏تتعداها‏ ‏إلى ‏ملكية‏ ‏الأشخاص‏ ‏أى ‏السطوة‏ ‏على ‏الآخرين‏ ، ‏وإلى ‏ملكية‏ ‏الأشياء‏ ‏المعنوية‏: ‏كالصحة‏ ‏والحب‏ ‏والمتعة‏ ‏مثلا‏ ، ‏بل‏ ‏أن‏ ‏الأشخاص‏ ‏أنفسهم‏ ‏يتحولون‏ ‏إلى ‏أشياء‏ ، ‏فهم‏ ‏ينظرون‏ ‏إلى ‏أنفسهم‏ ‏وإلى ‏غيرهم‏ ‏على ‏اعتبار‏ ‏أنهم‏ ‏أشياء‏.‏

بل‏ ‏وتتشكل‏ ‏الأنا‏ ‏لديهم‏ ‏على ‏اعتبار‏ ‏أنها‏ ‏شئ‏ ‏يمتلك‏ ، ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏الشئ‏ ‏هو‏ ‏مصدر‏ ‏احساسهم‏ ‏بالهوية‏ ...!

على ‏أن‏ ‏العلاقة ‏‏بالأشياء‏ ‏المملوكة‏ ‏هى:
دائما‏ ‏علاقة‏ ‏خارجية‏ ، ‏سطحية‏ ‏وعابرة‏. ‏

فهى ‏علاقة‏ ‏تعانى ‏من‏ ‏اختلال‏ ‏الآنية‏ ‏أو‏ ‏تغير‏ ‏الذات‏ ، ‏أى ‏أن‏ ‏المالك‏ ‏لشئ‏ ‏لا‏ ‏يحبه‏ ‏لذاته‏ ‏بل‏ ‏لما‏ ‏يمثل‏ ‏من‏ ‏قيم‏ ‏خارجية‏ ، ‏وهى ‏حالة‏ ‏وقتية‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏تزول‏ ، ‏وزوالها‏ ‏يدفع‏ ‏للبحث‏ ‏عن‏ ‏أثارة‏ ‏جديدة‏: ‏بعقد‏ ‏حقيقة‏ ‏جديدة‏ ، ‏أو‏ ‏حيازة‏ ‏شئ‏ ‏جديد‏ ، ‏أو‏ ‏موديل‏ ‏جديد‏ ، ‏وهكذا‏.‏

والممتلكات‏ ‏هى:

‏مثيرات‏ ‏مثبطة‏ ‏وليست‏ ‏منشطة‏ ، ‏فهى ‏تدعو‏ ‏لتبلد‏ ‏الحواس‏ ‏والقوى ‏الإنسانية‏ ‏ولا‏ ‏تعمل‏ ‏على ‏تنميتها‏ ‏وتعميقها‏ ، ‏وكلما‏ ‏كان‏ ‏المثير‏ ‏مثبطا‏ ‏كلما‏ ‏زادات‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى ‏احداث‏ ‏تغير‏ ‏فى ‏نوعه‏ ‏أو‏ ‏فى ‏شدته‏ ، ‏للاحتفاظ‏ ‏بدرجة‏ ‏الإستجابة‏ ‏الإنفعالية‏ ‏بقوتها‏ ‏الأولي‏ ، ‏وعلى ‏العكس‏ ، ‏فكلما‏ ‏كان‏ ‏المثير‏ ‏منشطا‏ ‏كلما‏ ‏آصبحت‏ ‏الإستجابة‏ ‏له‏ ‏طويلة‏ ‏المدى ‏عميقة‏ ‏الأثر‏ ، ‏وكلما‏ ‏قلت‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى ‏احداث‏ ‏تغيير‏ ‏فى ‏نوعه‏ ‏أو‏ ‏كمه‏.‏

ونمط‏ ‏التملك‏ ‏قد‏ ‏يطبع ‏بطابعه‏ ‏كافة‏ ‏أنواع‏ ‏النشاط‏ ‏الإنساني مثل‏:

1- المشاعر‏.

2- الإنفعالات‏.

3- المواقف‏.

4- التفكير‏.

5- السلوك‏.

6- العادات‏.

7- المعتقدات‏.‏

فالتعلم‏ ‏مثلا‏:

‏يستهدف‏ ‏ ‏فى ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ، ‏استيعاب‏ ‏المادة‏ ‏في‏ ‏الذهن‏ ، ‏والإحتفاظ‏ ‏بها‏ ‏فى ‏الذاكرة‏ ‏لاخراجها‏ ‏عند‏ ‏اللزوم ‏( ‏الامتحان‏ ‏مثلا‏ ) ، ‏دون‏ ‏أن‏ ‏تصبح‏ ‏مضامينها‏ ‏جزءا‏ ‏من‏ ‏مكونات‏ ‏تفكير‏ ‏الطالب‏ ‏حيث‏ ‏تنمو‏ ‏به‏ ‏وتتسع‏ ‏مداركه.

والقراءة أيضا:

تتحدد مادتها بمتطلبات النجاح ، وكيفيتها أيضا تتحدد وفقا لذلك دون أن تتفاعل مع من السطح الخارجى لجهاز الادراك ، وذلك بدلا من أن تتحدد بالتساؤلات الداخلية وتستهدف فهم الوجود الإنسانى واغناء المشاعر والحواس وشحذ القوى الإنسانية.

وحتى المعتقدات:

تصبح مجرد أمتلاك اجابات لا برهان عليها ، يتم التسليم بها كنوع من التوافق أو الخضوع لما هو سائد ، وتظل مجرد مظهر خارجى بمنأى عن أن تتحول إلى نظام توجيهى داخلى يشكل قوام المشاعر والمواقف والسلوك.

وممارسة السلطة كذلك:

تتخذ طابع ممارسة القوة اللاعقلانية التى تستهدف استغلال الأشخاص الخاضعين لها ، بدلا من أن تكون قائمة على الكفاءة ومستهدفة تعليم وافادة من هم خاضعون لها.

وعلاقة الحب أيضا:

تتخذ طابع امتلاك للطرف الآخر والسيطرة عليه ، أو تصبح نوعا من الإعتمادية المتبادلة ، بدلا من أن تكون علاقة تكامل بين شخصين ناجحين مستقلين تنمى وتثرى امكانات كل منهما.

وجدير بالملاحظة:

أن التابو الجنسى ( التعامل مع الجنس على أنه شئ محرم ) هو من خصائص المجتمعات القائمة على نمط التملك ، وهو الذى يؤدى إلى الجشع الجنسى وإلى المقايضة الجنسية.

ويصاحب التملك دائما:

شعور بعدم الأمان وبالتوجس.

فلأننى من الممكن أن أفقد ما أملك ، فأننى بالضرورة دائم التوجس أن أفقد ما أملك ، لذلك فأننى أتخذ موقف الدفاع ، وأصبح جاف الطبع ، مرتابا ، وحيدا ، مدفوعا بالحاجة إلى اقتناء المزيد فى سبيل تأمين وضعى.

والعناصر الأساسية التى تشكل جوهر العلاقة بين الأفراد الذينيحيون فى ظل هذا النمط هى:

التنافس والخوف.

فاذا كانت الملكية هى:

أساس احساسى بأنيتى لأننى " ما أمتلك " ، فان الرغبة فى الإمتلاك تقود بالضرورة إلى السعى لامتلاك المزيد ثم المزيد.

وذلك هو:

الطريق الممهد إلى الجشع ، والإنسان الجشع لايصل إلى حد الإكتفاء أبدا ، فليست لديه نقطة تشبع لأن ما يستهلكه لا يملأ فراغه الداخلى ، ولا يخلصه من سأمه ولا وحدته ولا اكتئابه.

وبما أن مجمل الإنتاج:

لا يستطيع تلبية الإحتياجات التى بلا حدود للأفراد من هذا النوع ، فالنتجية المنطقية لذلك هى التنافس والصراع بين الأفراد فى سعيهم للحصول على المزيد.

والصراع بين الطبقات ( وبالذات بين المستغلين ) كان وسيظل سمة أساسية من سمات المجتمع القائم على الملكية. فستظل هناك على الدوام طبقات متصارعة فى أى مجتمع يقوم على نمط الملكية ، أيا كان مستوى الثراء الذى عليه ذلك المجتمع.

وما هو نمط الملكية فى المجتمع المعاصر ؟

يشهد المجتمع المعاصر تحولا من القيم الإقتنائية البحتة إلى القيم السلعية التسوقية ، ويصاحب هذا التحول تحول مماثل فى الخلق الاجتماعى ، فالخلق التسلطى ( الوسواسى ) الإقتنائى الذى بدأ فى القرن السادس عشر فى أوربا والذى ظلت له السيادة (على الأقل بين الطبقات الوسطى حتى نهاية القرن السادس عشر) بدأ يمتزج به أو يحل محله ما يمكن تسميته بالخلق التسويقى أو السلعى.

ذلك أن:

الإنسان الواقع تحت تأثيره أنما يحس بنفسه كسلعة فى السوق ، حيث تصبح قيمة الانسان فيه هى:

" القيمة التبادلية " له ... لا ... " القيمة الإستعمالية ".

فالكائن البشرى هنا يتحول إلى:

سلعة فى " سوق الشخصيات ".

فهناك دائما مواصفات شخصية معينة لكل مجال من مجالات العمل ، وكل فرد يحاول من ناحيته أن يرتدى قناع الشخصية الملائم لطموحه وللمجال الذى يعرض نفسه فيه.

فالذى يشكل موقف الإنسان تجاه نفسه هى حقيقة أن:

المهارة والكفاءة المتعلقة بعمل معين ليست كافية وحدها للحصول عليه ، اذ عليه أن يفوز فى سباق يجرى بينه وبين آخرين عديدين ، كى يحصل على النجاح.

اذ لو كان بمقدور الإنسان فى مثل تلك الظروف أن يعيش بالإعتماد على ما يعرف وعلى ما يستطيع عمله ، لكان تقديرة لنفسه متناسبا مع قدراته أى مع قيمته الإستعمالية ، لكن النجاح فى مثل هذا المجتمع يقوم إلى حد كبير على كيف يبيع الإنسان شخصيته ، وبالتالى فعلى الإنسان أن يتعامل مع نفسه باعتباره سلعة فى السوق.

أو بتعبير أدق:

باعتبار أنه البائع وأنه الشئ المباع فى نفس الوقت ، فالشاغل الأساسى لمثل هذا الإنسان ليس حياته الداخلية أو سعادته ، بل هو بالتحديد كيف يصبح سلعة رائجة ...!

لذلك فهدف الشخصية ذات الطابع السلعى هو:

التكيف ، بحيث تصبح بضاعة مضمونة الرواج تحت كافة الظروف التى تطرأ على حركة سوق الشخصية ، ومثل تلك الشخصية تكاد تخلو من أمتلاكها لـ ... " أنا " ترتبط به ، وتحس بانتمائه لها ، وبنبات معالمه ، فمثل تلك الشخصية عليها أن تغير " أناها " على الدوام ، وفقا لمتطلبات السوق.

ومثل تلك الشخصيات:

لا تحب ولا تكره ، لأن ذلك يعوق الهدف الرئيسى للخلق السلعى ، اذ هى بلا ارتباط عميق لا بنفسها ولا بالآخرين ، فهم أشخاص غير مبالين ( بكل أبعاد الكلمة ) ليس بدافع أنانيتهم ، إنما لأن علاقتهم بأنفسهم وبالآخرين ضامرة للغاية.

وتعبير .....

الخلق السلعى أو الخاصة السلعية للشخصية ليس هو التعبير الوحيد الذى يصف هذا النوع من الشخصيات ، فهناك أيضا التعبير الماركسى الذى يصفها بأنها الخاصة المغتربة للشخصية أو الخلق المغترب ، فالأشخاص من هذا النوع مغتربون عن علمهم ، عن أنفسهم ، عن الآخرين ، وعن الطبيعة ذاتها ، فالقوى الإنسانية لديهم بكل غناها وخصوبتها تختزل وتغترب فى حس الملكية.

يقول ماركس:

الملكية الخاصة قد جعلتنا أغبياء وجزئيين فى نظرتنا إلى درجة أننا لا نعتبر شيئا ما يخصنا ما لم نمتلكه ، مالم نحصل عليه بوصفة رأسمال ، ما لم نأكله أو نشربه أو نلبسه أو نسكن فيه ... الخ ، باختصار ، ما لم نستعمله بطريقة أو أخرى.

وهكذا:

فكل حواسنا العضوية والعقلية قد حل محلها ذلك الإغتراب البسيط لكل الحواس ، ألا وهو حس الملكية ، فالكائن البشرى كان عليه أن يختزل نفسه إلى تلك الدرجة من الفقر المطلق ، كى يصبح قادرا على منح الحياة لكل ثروته الداخلية.

وماذا عن نمط الوجود أو نمط تحقيق الذات ؟

يحدد " اريك فروم " خصائص هذا النمط الحياتى بأن:

الإنسان الذى يمارس وجوده من خلاله يكون دائما فى حالة نشطة ، ليس بمعنى النشاط الخارجى ، أى دوام الإنشغال بعمل ما ، بل النشاط الداخلى أساسا دون اعتبار لتحققاته الخارجية فى حد ذاتها ، فأن يكون الانسان نشيطا يعنى أن يمارس التعبير الحى عن قواه ، ومواهبه ، وعن ثراء المعطيات الإنسانية ، التى يتمتع بها كل أفراد النوع الإنسانى بدرجات متفاوتة.

فممارسة نمط الوجود تعنى:

1- أن يجدد الإنسان نفسه على الدوام.

2- أن ينمو.

3- أن يزدهر.

4- أن يحب.

5- أن يتجاوز النطاق المحدود لآنيته المنعزلة.

6- أن يهتم.

7- أن يعطى.

هذه الخبرات جميعا يصعب وصفها بدقة من خلال التعبير اللغوى ، وأنما تجد تعبيرها الواضح فى مشاركة الخبرة الحية التى هى دليل النشاط الحى.

على أن النشاط هو ( إلي حد كبير ):

سلوك اجتماعى هادف ، يؤدى إلى تغيرات اجتماعية مفيدة.

والشرط الأساسى الذى يجعل النشاط الإنسانى حيا ومثمرا هو:

ألا يكون نشاطا مغتربا.

والنشاط المغترب هو:

ذلك النوع من النشاط الذى لا أخبر فيه نفسى بوصفى الذات الفاعلة له ، بل أخبر فيه حاصل نشاطي ، الذى يصبح شيئا قائما أمامى ، منفصلا عنى ، متعاليا على وضدى.

ففى النشاط المغترب:

لا أقوم فى الواقع بالفعل ، بل يقع الفعل على بتأثير قوى خارجية وداخلية ، اذا أصبح منفصلا عن ناتج عملى.

ولعل من الأمثلة الواضحة للنشاط المغترب فى مجال السيكوباثولوجى:

1- السلوك الوسواسى القهرى.

حيث يجد الشخص نفسه مجبرا بفعل باعث داخلى قوى أن يفعل شيئا ضد إرادته الذاتية الواعية.

2- السلوك ما بعد النوامى.

فالأشخاص الذين يتلقون ايحاءات بأن يفعلوا كذا وكذا عقب افاقتهم من الغفوة النوامية ، يقومون بفعل تلك الأشياء دون أى ادراك منهم بأنهم لا يفعلون ما يريدون حقيقة ، بل هم يتبعون التعليمات التى تلقوها أثناء التنويم.

أما فى النشاط غير المغترب:

فأننى أخبر نفسي بوصفى ذاتا فاعلة لنشاطى ، وأظل على ارتباط بناتج فعلى ، بحيث يصبح فعلى تحققا لقواى الذاتية ، وأصبح أنا وفعلى شيئا واحدا.

وهذا النوع من النشاط يتسم دائما بأنه مثمر ، وحتى ولو لم يكن له ناتج متجسد فى الخارج ، ذلك أن خاصة كونه مثمرا تتعلق بالثراء الداخلى الناتج عن الفعل أكثر مما تتعلق بتحققه الخارجى.

وقد يتضح معنى النمط الوجودى أو نمط التحقق الذاتى أكثر اذا قورن لا بنمط التملك بل بالسلوك الظاهرى.

فالتظاهر فى السلوك يعنى:

أن السلوك متناقض كلية مع حقيقة الدوافع المؤدية اليه ، فيصبح سلوكى مختلفا عن طبيعتى الخلفية.

وطبيعتى الخلفية هنا بمعنى:

المحرك الحقيقى لسلوكى ، هى التى تشكل وجودى الحقيقى.

وبذلك فان نمط الوجود يعنى:

تطابق سلوكى مع الدوافع الحقيقية المؤدية إليه.

على أن:

دوافعنا السلوكية كما تبدو لنا ، قد تختلف كثيرا عن دوافعنا السلوكية الحقيقية ، فدوافعنا وأفكارنا ومعتقداتنا الواقعة فى مجال وعينا هى خليط من المعلومات الزائفة، والتحيزات ، والإنفعالات اللاعقلانية والتبريرات ، تتخللها جزئيات متناثرة من الحقيقية تعطى انطباعا زائفا بأن الخليط فى مجمله واقعى وحقيقى.

ثم:

تقوم عملية التفكير لمحاولة تنظيم تلك المكونات الوهمية وفقا لقوانين المنطق والقبول الظاهرى.

وهذا المستوى من الوعى هو:

الذى يفترض فيه أن يمثل الحقيقة ، فهو بمثابة الخريطة التى نستخدمها فى تنظيم حياتنا ، هذه الخريطة الوهمية لا تجرى عليها عملية الكبت ، لكن ما يكبت أنما هو معرفة الواقع ، معرفة ما هو حقيقى.

وهذه المعارف هى التى تشكل الجزء الأكبر من اللاشعور.

والمسئول الأول عن تكوين اللاشعور هو:

المجتمع.

فالمجتمع بما ينتج من انفعالات لا عقلانية ، وبما يمد به أفراده من مختلف أنواع الوهم ، أنما يدفع الحقيقة إلى ان تتوارى خلف العقلانية المزعومة ، فالواقع أن قدرا كبيرا من طاقاتنا أنما يوجه إلى أخفاء ما نعرف عن أنفسنا.

فالطريق إذن إلى تحقيق نمط الوجود:

إنما يكمن بالتحديد فى نفاذنا عبر السطح الخارجى وامساكنا بالحقيقة.

غير أن ثمة شروطا لابد من توافرها حتى يصبح تحقق ذلك النمط ممكنا ، تلك هى:

1- الإستقلالية.

2- الحرية.

3- العقل النقدى.والحرية هنا تعنى:

ما هو أعمق كثيرا مما هو شائع عنها ، فهى تعنى التحرر الإنسانى الحقيقى ، ثم كافة ما يعوق ازدهار وتفتح قواه الخاصة ، ذلك الإزدهار الذى يمارس تلقائيا كهدف فى ذاته وليس مجرد وسيلة لغاية أبعد منه.

ولعل هذا المعنى للحرية يتضح أكثر حينما نعرف أن:

نطاق الحرية لا يبدأ الا بعد تجاوز النقطة التى يخضع فيها العمل لقهر الضرورة ولمتطلبات الإستعمال الخارجية ، فمن طبيعة الأشياء ذاتها ، أن الحرية تقع خارج دائرة الإنتاج المادى بالمعنى الدقيق للكلمة.

فكما أن الانسان البدائى كان عليه أن يصارع الطبيعة كى يلبى احتياجاته ، وكى تستمر حياته ويحافظ على بقائه ، كذلك فان على الإنسان المتحضر أن يفعل الشئ نفسه ، وعليه أن يفعله تحت كافة الأشكال الإجتماعية ، وتحت كافة أنماط الانتاج الممكنة.

ومع تطور الإنسان يتسع نطاق الضرورة الطبيعية لأن احتياجاته تتزايد ، لكن قوى الإنتاج التى تلبى عن طريقها تلك الإحتياجات تتزايد بدورها ...!

والحرية فى حدود هذا المجال:

لا يمكن أن تعنى سوى أن الإنسان الإجتماعي وأن المنتجين المتفانين معا ، بمقدورهم:

1- أن ينظموا علاقتهم المتبادلة مع الطبيعة بأسلوب عقلانى.

2- أن يخضعوا الطبيعة لسيطرتهم الجماعية ، بدلا من أن يدعوها تتحكم فيهم كما لو كانت قوة عمياء.

3- أن ينجزوا مهمتهم تلك بأقل قدر من الطاقة ، وفى ظل شروط لائقة بطبيعتهم الإنسانية ، وجديرة بها إلى أقصى حد.

لكن:

يظل هناك على الدوام نطاق من الضرورة.

وخارج هذا النطاق:

يبدأ النطاق الحقيقى للحرية ، لنمو القوى الإنسانية باعتباره غاية فى ذاته ، تلك الحرية التى على أية حال ، لايمكن لها أن تزدهر الا فوق نطاق الضرورة بوصفه قاعدة لها.
.....

بتصرف عن:

كتاب " سقوط الوعد العظيم " ... " أريك فروم ".

د. عاطف طنطاوي.