فهد الكشتي
07-03-2008, 03:25 AM
تخصص العلوم السياسية.. غياب الواقعية
بين أفكار ميكافيلي وأفلاطون، والأحاديث التي جاءت بها النظريات والظواهر السياسية البالية، ضاعت واقعية تخصص العلوم السياسية، حتى غدت مساقاته أكثر جموداً، وأقل فائدة، وبعيدة عن أيِّ صلة بالواقع السياسي المُعاش، داخلياً وخارجياً.
فعندما يتبادر إلى أذهاننا تخصص ''العلوم السياسية''، نظنُّ أن طلبته يدرسون مواضيع معاصرة، تبدأ بأثر نجاح الديمقراطيين في أميركا على مسار عمليّة السلام في الشرق الأوسط، مروراً بأزمات الوطن العربي، الصراع العربي الإسرائيلي، القضيّة الفلسطينية، القضيّة اللبنانية، احتلال العراق، والملف النووي الإيراني، بل أننا نتوقّع أيضاً أن مسألة التنمية السياسية في مجتمعنا تأخذ حيّزاً كبيراً من المساقات، وأن اهتمام الطلبة وأساتذتهم ينصبُّ حول تقديم مقترحات تضمن نجاحها كجزء من تفاعلهم مع القضايا المحليّة، ويتعدّى الأمر إلى تقديم تحليل للخطابات الملكية السامية في كافة المحافل، وتقييم لأداء الحكومات المتعاقبة، ودراسة مشكلة الأحزاب داخل مجتمعنا إسهاماً في التنمية السياسية... الخ.
لكن، لا هذا ولا ذاك مما يتبادر إلى الأذهان واقعٌ ملموسٌ، فتخصص العلوم السياسية مجرد معلومات تاريخية، وتسلسلٌ لأفكارٍ تبنّاها مفكّرون ليس لغالبيتها أثرٌ في واقعنا المُعاش، ونظريات أغلبها لم يعد ذات فائدة. هذا ما أكّده عددٌ من طلبة العلوم السياسية في الجامعات، إذ أن غالبية ما يدرسونه من مساقات غير مرتبط بالواقع، ولا يتيح لهم المجال للإبداع، فهي مجرّد معلومات تاريخية يحفظونها، ويستعيدونها على ورقة الامتحان. محمد الزعبي من جامعة اليرموك أوضح أن أجواء محاضرات مساقات العلوم السياسية مملّة للغاية، خصوصاً أنها بعيدة عن الواقع، ولا تلامس القضايا التي تدور من حولنا، التي يُكتَفى بالمرور عليها مرور الكرام. ويشاركه الرأي أحمد لطفي من الجامعة الأردنية، الذي يؤكّد أن غياب القضايا الوطنية عن تخصص العلوم السياسية حالة غير طبيعية، فمع الإيمان بأن الجانب النظي مهم كمقدّمة للتخصص، إلا أن التطبيق على القضايا الحديثة يجب أن يكون له الاهتمام الأكبر.
وتؤكّد أروى طبيشات (خريجة علوم سياسية وموظّفة في إحدى المؤسسات) أن عدم واقعية تخصص العلوم السياسية تعود إلى عدم جديّة طلبته؛ التي تسبّبها معرفتهم المسبقة بالمعاناة التي تنتظرهم عقب التخرّج، مما يجعل اللامبالاة طابعاً يتّخذونه خلال سني دراستهم، فلا يهتمّون بالواقع السياسي المعاش.
في حين يرى إيهاب خضر أن تدني مستوى الثقافة السياسية بمختلف القضايا الراهنة، التي يعانيها طلبة العلوم السياسية مردّها إلى غياب الواقعية عن مساقات التخصص، فالقضايا الحالية غائبة تماماً عنها، ولا يتم التطرق إليها من قِبل المدرسين إلا في مناسبات قليلة.
ومن وجه نظر رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة مؤتة ورئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور محمد القطاطشة فإن تخصص العلوم السياسية في الجامعات لابدّ وأن يتناول جانباً تاريخياً، وهو ما يمثّل الإطار النظري في هذا التخصص، مشيراً إلى أنه تم الاستقرار من قبل اليونيسكو على ثلاثة محاور لتدريس هذا التخصص وهي: النظرية السياسية، العلاقات الدولية، والمنظمات السياسية، وهو ما اتفقت عليه الجامعات الغربية الكبرى وأُخِذ به في الأردن أيضاً.
وأشار إلى أن تعاطي أساتذة العلوم السياسية مع هذا التقسيم حاصل، إلا أن الكثيرين منهم متمسكون بأسلوب التلقين، ولا يربطون ما بين الدراسات النظرية والواقع أو تطبيق ما جاء في المساقات على القضايا والأحداث الراهنة، بالرغم من وجود عدد من أعضاء هيئة التدريس يفعلون ذلك، وهو ما يظهر جليّاً عند تقييم أدائهم، مرجعاً اعتمادهم على أسلوب التلقين إلى انشغال أساتذة العلوم السياسية بأمور حياتهم المعيشية، وتحسين واقعهم الاجتماعي.
وأكد القطاطشة أن عدم تحديث المساقات الدراسية، وإغفال الجامعات ملامستها للواقع يؤدي إلى بُعد التخصصات عن الواقع، ومنها تخصص العلوم السياسية، وقد أعاد هذا التقصير أستاذ الجامعة إلى عقلية أستاذ المدرسة، بحيث لا يترك أيُّ فرصة للطالب للارتقاء بمستوى تفكيره وإبداعه، فلا يربط بين النظرية والتطبيق، وهو ما حصل عندما طُرِح مساق التربية الوطنية إجبارياً في الجامعات، فقد تم تحويله عن أهدافه، فأضحى مجرّد معلومات يحفظها الطالب ويستعيدها وقت الامتحان، رغم أن الهدف كان أبعد من ذلك بكثير.
وبيّن أن حالة من الإحباط تسود بين طلبة السياسة وأساتذتها، فلم تترك الواسطة أو المحسوبية لهم أي مكان، فالطلبة لا يجدون أيةَ حوافز على مستوى الوظيفة، ولا حتى فرصاً للتدريب والتأهيل في مجال تخصصاتهم، وحتى المبدعون والأوائل منهم يعانون ذلك، حالهم حال الأساتذة؛ الأمر الذين يخلق شيئاً من عدم الجدّية في عملهم.
وحول الحلول التي تمكّن من الارتقاء بتخصص العلوم السياسية، وجعله ملامساً للقضايا التي تطفو على السطح، خصوصاً الوطنية منها، لفت القطاطشة إلى أن الحل يكمن في إنهاء التهميش الحاصل لأساتذة العلوم السياسية، وإعطائهم مكانتهم الحقيقية في المجتمع، من خلال زيادة انخراطهم في وزارة التنمية السياسية.
وأوضح أن تطوير أبحاث أعضاء هيئة التدريس لتخصص العلوم السياسية ضروري جداً؛ بحيث تكون مبتكرة وتحاكي الواقع، وأن تراعي الحداثة وتخضع إلى تقييم دقيق، مؤكّداً أن الجمعية الأردنية للعلوم السياسية ستنشط في ذلك عما قريب.
وتقبلو تحياتي وتقديري
اخوكم /
فهد الكشتي العنزي
بين أفكار ميكافيلي وأفلاطون، والأحاديث التي جاءت بها النظريات والظواهر السياسية البالية، ضاعت واقعية تخصص العلوم السياسية، حتى غدت مساقاته أكثر جموداً، وأقل فائدة، وبعيدة عن أيِّ صلة بالواقع السياسي المُعاش، داخلياً وخارجياً.
فعندما يتبادر إلى أذهاننا تخصص ''العلوم السياسية''، نظنُّ أن طلبته يدرسون مواضيع معاصرة، تبدأ بأثر نجاح الديمقراطيين في أميركا على مسار عمليّة السلام في الشرق الأوسط، مروراً بأزمات الوطن العربي، الصراع العربي الإسرائيلي، القضيّة الفلسطينية، القضيّة اللبنانية، احتلال العراق، والملف النووي الإيراني، بل أننا نتوقّع أيضاً أن مسألة التنمية السياسية في مجتمعنا تأخذ حيّزاً كبيراً من المساقات، وأن اهتمام الطلبة وأساتذتهم ينصبُّ حول تقديم مقترحات تضمن نجاحها كجزء من تفاعلهم مع القضايا المحليّة، ويتعدّى الأمر إلى تقديم تحليل للخطابات الملكية السامية في كافة المحافل، وتقييم لأداء الحكومات المتعاقبة، ودراسة مشكلة الأحزاب داخل مجتمعنا إسهاماً في التنمية السياسية... الخ.
لكن، لا هذا ولا ذاك مما يتبادر إلى الأذهان واقعٌ ملموسٌ، فتخصص العلوم السياسية مجرد معلومات تاريخية، وتسلسلٌ لأفكارٍ تبنّاها مفكّرون ليس لغالبيتها أثرٌ في واقعنا المُعاش، ونظريات أغلبها لم يعد ذات فائدة. هذا ما أكّده عددٌ من طلبة العلوم السياسية في الجامعات، إذ أن غالبية ما يدرسونه من مساقات غير مرتبط بالواقع، ولا يتيح لهم المجال للإبداع، فهي مجرّد معلومات تاريخية يحفظونها، ويستعيدونها على ورقة الامتحان. محمد الزعبي من جامعة اليرموك أوضح أن أجواء محاضرات مساقات العلوم السياسية مملّة للغاية، خصوصاً أنها بعيدة عن الواقع، ولا تلامس القضايا التي تدور من حولنا، التي يُكتَفى بالمرور عليها مرور الكرام. ويشاركه الرأي أحمد لطفي من الجامعة الأردنية، الذي يؤكّد أن غياب القضايا الوطنية عن تخصص العلوم السياسية حالة غير طبيعية، فمع الإيمان بأن الجانب النظي مهم كمقدّمة للتخصص، إلا أن التطبيق على القضايا الحديثة يجب أن يكون له الاهتمام الأكبر.
وتؤكّد أروى طبيشات (خريجة علوم سياسية وموظّفة في إحدى المؤسسات) أن عدم واقعية تخصص العلوم السياسية تعود إلى عدم جديّة طلبته؛ التي تسبّبها معرفتهم المسبقة بالمعاناة التي تنتظرهم عقب التخرّج، مما يجعل اللامبالاة طابعاً يتّخذونه خلال سني دراستهم، فلا يهتمّون بالواقع السياسي المعاش.
في حين يرى إيهاب خضر أن تدني مستوى الثقافة السياسية بمختلف القضايا الراهنة، التي يعانيها طلبة العلوم السياسية مردّها إلى غياب الواقعية عن مساقات التخصص، فالقضايا الحالية غائبة تماماً عنها، ولا يتم التطرق إليها من قِبل المدرسين إلا في مناسبات قليلة.
ومن وجه نظر رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة مؤتة ورئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور محمد القطاطشة فإن تخصص العلوم السياسية في الجامعات لابدّ وأن يتناول جانباً تاريخياً، وهو ما يمثّل الإطار النظري في هذا التخصص، مشيراً إلى أنه تم الاستقرار من قبل اليونيسكو على ثلاثة محاور لتدريس هذا التخصص وهي: النظرية السياسية، العلاقات الدولية، والمنظمات السياسية، وهو ما اتفقت عليه الجامعات الغربية الكبرى وأُخِذ به في الأردن أيضاً.
وأشار إلى أن تعاطي أساتذة العلوم السياسية مع هذا التقسيم حاصل، إلا أن الكثيرين منهم متمسكون بأسلوب التلقين، ولا يربطون ما بين الدراسات النظرية والواقع أو تطبيق ما جاء في المساقات على القضايا والأحداث الراهنة، بالرغم من وجود عدد من أعضاء هيئة التدريس يفعلون ذلك، وهو ما يظهر جليّاً عند تقييم أدائهم، مرجعاً اعتمادهم على أسلوب التلقين إلى انشغال أساتذة العلوم السياسية بأمور حياتهم المعيشية، وتحسين واقعهم الاجتماعي.
وأكد القطاطشة أن عدم تحديث المساقات الدراسية، وإغفال الجامعات ملامستها للواقع يؤدي إلى بُعد التخصصات عن الواقع، ومنها تخصص العلوم السياسية، وقد أعاد هذا التقصير أستاذ الجامعة إلى عقلية أستاذ المدرسة، بحيث لا يترك أيُّ فرصة للطالب للارتقاء بمستوى تفكيره وإبداعه، فلا يربط بين النظرية والتطبيق، وهو ما حصل عندما طُرِح مساق التربية الوطنية إجبارياً في الجامعات، فقد تم تحويله عن أهدافه، فأضحى مجرّد معلومات يحفظها الطالب ويستعيدها وقت الامتحان، رغم أن الهدف كان أبعد من ذلك بكثير.
وبيّن أن حالة من الإحباط تسود بين طلبة السياسة وأساتذتها، فلم تترك الواسطة أو المحسوبية لهم أي مكان، فالطلبة لا يجدون أيةَ حوافز على مستوى الوظيفة، ولا حتى فرصاً للتدريب والتأهيل في مجال تخصصاتهم، وحتى المبدعون والأوائل منهم يعانون ذلك، حالهم حال الأساتذة؛ الأمر الذين يخلق شيئاً من عدم الجدّية في عملهم.
وحول الحلول التي تمكّن من الارتقاء بتخصص العلوم السياسية، وجعله ملامساً للقضايا التي تطفو على السطح، خصوصاً الوطنية منها، لفت القطاطشة إلى أن الحل يكمن في إنهاء التهميش الحاصل لأساتذة العلوم السياسية، وإعطائهم مكانتهم الحقيقية في المجتمع، من خلال زيادة انخراطهم في وزارة التنمية السياسية.
وأوضح أن تطوير أبحاث أعضاء هيئة التدريس لتخصص العلوم السياسية ضروري جداً؛ بحيث تكون مبتكرة وتحاكي الواقع، وأن تراعي الحداثة وتخضع إلى تقييم دقيق، مؤكّداً أن الجمعية الأردنية للعلوم السياسية ستنشط في ذلك عما قريب.
وتقبلو تحياتي وتقديري
اخوكم /
فهد الكشتي العنزي