المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صوت الكويت.. تحدى صدام وجيشه منذ الأيام الأولى للغزو


فهد الكشتي
08-03-2008, 05:42 AM
لم تتخلف قوات الغزو الصدامية، منذ الساعات الأولى لاحتلالها الكويت العاصمة، عن الاستيلاء على دور الصحف والنشر وسائر وسائل الإعلام، فيما لم تكن تتحمل أي مقاومة، وبالذات المقاومة الإعلامية.

وعلى مدى الأيام الأولى بدت سلطات الاحتلال مطمئنة الى أنها أجهزت على صوت الكويت، مسموعا ومرئيا ومقروءا، بيد أن تلك الأيام لم تزد على عشرة، ففي 12 أغسطس (آب) 1990 تعاضدت مجموعة من مثقفي الكويت، بمساندة قوية من مثقفين عرب من مختلف الجنسيات، بينهم مثقفون عراقيون على استثناء إصدار صحيفة «القبس الدولي» وهي النسخة الدولية لصحيفة «القبس» التي كانت تصدر حتى يوم الغزو من لندن.

العدد الأول .. والسؤال الحارق

أسندت رئاسة تحرير الصحيفة إلى الدكتور محمد الرميحي الذي كان في الوقت نفسه رئيسا لتحرير صحيفة «العربي»، وقد كتب في أول عدد مقالا بعنوان «لمصلحة مَن فعل النظام العراقي ما فعله؟» جاء فيه على الصفحة 3 من عدد القبس الدولي في 12 أغسطس:

«في مثل هذه الأزمة الجلل يجب أن لا يفقد الرجال عقولهم ولا الشعوب بصيرتها، فلأول مرة في تاريخنا العربي الحديث تقوم دولة عربية بغزو دولة جارة وتشتت بين يوم وليلة شعبا مسالما قدم الكثير لنصرة قضايا العرب والمسلمين، وإذا كان الوقت ليس وقت تعداد ذلك، إلا أن من حقنا أن نتساءل لمصلحة مَن تتم هذه الفعلة الشنعاء؟

إنها لمصلحة أعداء العرب دون أدنى شك، فلمصلحة أعداء العرب أن يختلفوا الى حد الاقتتال، ولمصلحة أعداء العرب أن توجه جهودهم وحماسهم وزخمهم ومواردهم إلى ساحات أخرى غير ساحات النضال الحقيقية.

غزو النظام العراقي للكويت لا توجد له مبررات تحت أي عنوان كان، فالكويت دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة وعضو في الجامعة العربية، هي أرض وشعب ونظام ارتضاه المجتمع العالمي والمجتمع العربي، وارتضاه قبل ذلك وبعده شعب الكويت.

كل الحجج التي قدمها النظام العراقي لا يستطيع أن يقنع بها أحدا ولا حتى قطاعات واسعة من شعب العراق نفسه، إنها مغامرة كبرى ستدفع الأمة العربية -مع الأسف- ثمنا باهظا لها لا يستطيع أن يتصوره أحد اليوم، ستدفعه ضَعفا أمام قوة الآخرين، وستدفعه تدهورا في اقتصادها وستدفعه احتراقا لصفوفها.

واستأنف بوخالد (يوسف السميط) زاويته «دريشة القبس»، ومما كتب تحت عنوان «الوطن» سنعود إلى الكويت.. سنعود الى أرض الوطن اليوم، أو غداً أو بعد غد سنعود الشهر القادم، فهي أرضنا، هناك منازلنا.. شوارعنا.. أعمالنا وحياتنا.. وجودنا نحن أهل الكويت وليس في أي مكان آخر.. هناك ولدنا وكبرنا... وهناك سنموت، قد تكون ميتة طبيعية او برصاصة عراقية.

سنعود بالرغم من احتلال العراق لأرضنا.. ومنازلنا.. سنعود بإرادتنا.. فالإرادة لا تستعمر.. ولن يكون في الدنيا سوى كويت واحدة هي دولة الكويت.. ولن يكون هناك سوى رئىس دولة واحد هو جابر الأحمد.. ولن يكون لنا سوى رئيس وزراء واحد هو سعد العبدالله.. ولن يكون لنا سوى نشيد وطني واحد هو «وطني الكويت سلمت للمجد» يلتف حول علمه الجميع.. تتعلق به وحوله القلوب والأنظار..

ونشرت في العدد قصيدة للشاعر عبدالرحمن النجار بعنوان «قوم عشق تراب الوطن» ومنها:

قوم اعشق تراب الوطن

خله لأحزانك كفن

واشرب رحيق الارض

بوس الارض

شمّ الارض

يا ولد الوطن

قوم ازرع عتوق المحبة.. والوفا

وانحت من صخور الشتا

نقطة دفا

قوم ارتفع فوق القطاعة

والجفا

شتان ما بين السجي

والماي

لامنه اختفى...!!

صوت عربي

وفي العدد نفسه كتب أستاذ الاجتماع البارز والناشط الحقوقي المصري د.سعد الدين إبراهيم مقالا بعنوان «ما بعد اجتياح الكويت المطلوب من القمة العربية والمطلوب من العراق» عبر فيه عن موقف المثقفين الأحرار والناس العاديين في عالمنا العربي، وقد جاء فيه:

لا يريد العرب من ملوكهم ورؤسائهم الذين اجتمعوا في القاهرة مجرد إعلانات مبدئية، أو شجب او إدانة للغزو الصدامي للكويت، فقد فعل العالم كله ذلك وأكثر من ذلك، بل المطلوب هو أن تتخذ قرارات بإجراءات عمل حاسمة، ليس فقط لإنقاذ الكويت، ولكن بنفس الإلحاح والعجلة لإنقاذ العراق نفسه، وبنفس الإلحاح والعجلة لإنقاذ الخليج كله، بل والوطن العربي بأسره من عواقب «الجموح».

فالقضية لم تعد فقط غزو بلد عربي شقيق ومسالم، ولم تعد فقط اغتصاب حريات وثروات شعب عربي آمن واصيل وكريم. إن القضية اصبحت ايضا قضية العراق البلد العربي الشقيق، وشعبه وجيشه وثرواته وإنجازاته، فهذا البلد وشعبه أصبحا الآن مهددين بالدمار والهلاك، إن القضية أصبحت ايضا هي كل منطقة الخليج، ببلدانه وشعوبه وثرواته التي توشك كلها أن تصبح رهينة يتنازعها استبداد الغزو، من ناحية وقوى الهيمنة الأجنبية من ناحية اخرى. والقضية أصبحت الوطن العربي بأسره الذي أصبح مهددا في حاضره ومستقبله بسبب «المقامرة العسكرية».

إن حرصنا على إنقاذ العراق من عواقب الجموح والجنون والاستبداد لا يقل عن حرصنا على إنقاذ الكويت والخليج. وفي إنقاذ الكويت إنقاذ للعراق والخليج، وحيث بدأت الجريمة بكل أركانها المادية فجر يوم خميس مشؤوم على أرض الكويت، فلا بد أن يبدأ خلاص العراق والخليج وحماية المستقبل العربي من أرض الكويت.

وليكن الخلاص بيدنا لا بيد عمرو لا بد أن يدرك الملوك والرؤساء العرب هذه الأبعاد المتشابكة لما حدث فجر الخميس 2/8/1990 وأن يتصرفوا على هذا الأساس.

وختم قائلاً:

«وليتذكر الملوك والرؤساء العرب أن صدام حسين لم يتصرف بناء على إجماع عربي، او أغلبية عربية، او حتى مشورة اي طرف عربي، ولا يمكن رهن حرية ومصير مليون كويتي، وحرية ومصير سبعة عشر مليون عراقي، ولا حرية ومصير ثلاثين مليون عربي خليجي، ولا حرية ومصير مئتي مليون عربي من المحيط الى الخليج لإرادة رجل واحد. فإذا كان هذا الرجل يصر على الانتحار، فليفعل ذلك وحده، دون أن ينتحر معه شعب الكويت وشعب العراق وشعوب الخليج والأمة العربية».

لاجئون رقم 3

واستأنف الصحافي الكويتي البارز الاستاذ محمد مساعد الصالح عموده الشهير «الله بالخير» وكان أول ما كتبه بعد الغزو بعنوان «يوميات كويتي» قال فيه:

في يوم الخميس 2 أغسطس أيقظتني أم طلال صباحا.. قائلة: لقد هجم الجيش العراقي على الكويت واحتلها.. واستمعت إليها وكنت أتصور أنها تحاول إيقاظي بطريقتها الخاصة، ولهذا لم أصدق الخبر.. وواصلت النوم.. ولكن صوت التلفزيون في غرفة أخرى كان يصل الي، وكانت كلمات التدخل والاعتداء والاحتلال باللغة الانجليزية تتردد في أذني ولكنها كانت تختلط بين الهجوم على الكويت وأشياء اخرى بعيدة عن الكويت.. ولكن ما حدث هو أن الهجوم كان على الكويت، وكنت حسن النية ايضا معتقدا أنه أمر طارئ او وسيلة للضغط، ولكن ردود الفعل والقصص التي سمعتها من الأصدقاء المصطافين جعلتني «أستيقظ» على الحقيقة المؤلمة.. عائلات انتهى رصيدها ولا تستطيع العودة الى الكويت.. الطائرات الكويتية لا تصل الى الكويت لإغلاق المطار.. بطاقات الائتمان لا تقبل.. الفنادق في بعض الدول الاوروبية تطرد الكويتيين.. وبسرعة وجدت نفسي أستمع الى قصة اللاجئين الفلسطينيين واللاجئين اللبنانيين، جاء دورنا لنصبح «لاجئين رقم 3» خارج بلدانهم.. علما بأن معظم شعوب بني عرب «لاجئون في أوطانهم.. في علاقاتهم مع الأنظمة ساعدنا الله.. وفرّج كربتنا وأزال عنا الضياع وأعاد الينا «نعمة» العودة والاستقرار «قولوا يا رب».

لخبطة في التاريخ والجغرافيا

الكاتب والاستاذ الجامعي والسياسي د.أحمد الربعي تصدر مقاله الصفحة الأولى من عدد اليوم الثاني، تحت عنوان «الوحدة.. بالمدفعية الثقيلة!!» كتب:

لا يمكن تغيير الجغرافيا دون رؤية صائبة للتاريخ!! فقد أثبتت تجربة المجتمع الانساني ان «اللخبطة» في علم التاريخ تؤدي بالضرورة الى «لخبطة» اخرى على أرض الجغرافيا.

ووقائع التاريخ تؤكد انه لا حياة للعرب دون الوحدة. وتؤكد ايضا انه لا وحدة دون قناعة، وان المدفعية الثقيلة لا تخلق وحدة. وأن الضم بالقوة لن ينجح الا في إثارة مشاعر الاقليمية الكريهة ومشاعر معاداة الوحدة.

لقد بدأ عصر الكلمات المتقاطعة المحروسة بالدبابات وقاذفات القنابل. بدأ بمطالب معروفة واجتماعات مكشوفة، ثم بحث عسكري تبعه اجتياح، تمّ تبريره «بانقلاب» عسكري، ثم انقلاب على الانقلاب، وإعلان ضم الكويت الى العراق بلافتة وحدوية!

إذاً لقد تم استباحة شعب عربي في ساعات الصباح الاولى وتم بيع بلد عربي «بالجملة» من أجل عيون الوحدة التي اصاب عينها الرمد.

لقد تحرك الجيش العراقي في الزمن الخطأ، والمكان الخطأ، وأضاع هذا الجيش العربي بوصلته فاتجه الى اشقائه بدلا من الاتجاه لأعدائه، وابتعد مسافة جديدة عن القدس بدلا من أن يقترب منها، وأعطى الفرصة السانحة للمارينز الأمريكي الذي كان ينتظر هذه الفرصة على أحر من الجمر.

«لا طريق امام المحتلين سوى الانسحاب من بلادنا، وإلغاء كل ما ترتب على احتلاله، ولا طريق أمام المحتلين سوى احترام إرادة الشعب الكويتي، ففي الكويت نظام للحكم يحدده دستوره، وعلاقة الحاكم بالمحكوم. ولا يمكن للكويتيين الا ان يتمسكوا بموطنهم وشرعيتهم.

اما غير ذلك فهي كلمات حق يراد بها باطل، ولافتات وحدوية تخفي تحت جلدها اقليمية ضيقة معادية للإنسان وحريته، ولديمقراطية الحياة وفرصها».

وفي 14 أغسطس كتب يوسف عبدالحميد الجاسم تحت عنوان «عندما يكون الوطن في محنة»:

عندما تكون الأوطان في محنة تستنهض طاقات الشعوب، وها هو شعب الكويت حاكمين ومحكومين أطفالا ونساء وشيوخا وشبابا، يعيشون محنته، سواء أسرى للغزو في الداخل او أسرى التشرد والتغرب خارج حدود الوطن، ولكن هذا الشعب ارتفع منذ اللحظة الاولى فوق الأزمة لينتصر لأرضه وعرضه وشرعيته وكيانه، فالكل من أجل الكويت يقاتل. فأنبتت الدماء الزكية التي سالت على ارض الكويت زهرة النضال في نفوس الجميع، وتلاحمت صفوف الكويتيين توحدت كلمتهم لتكون درعا حاميا للوطن وعاملا على خلاصه.. ولم يجن الغازي من فعتله النكراء سوى الخيبة والعار، فتحولت الكويت ذلك البلد الآمن المطمئن الصغير الى جذوة للنضال، ومارد يقف في وجه المعتدي ليدحره، واصطفت من وراء الكويت وشعبها قوى الخير والحق، ودوت صرخات الإدانة والاستنكار، وانتصب جدار هائل من الردع السياسي والاقتصادي والعسكري امام المعتدي، ليطير صوابه ويحيله الى أسير فعلته.

وفي العدد نفسه نشرت د. سعاد الصباح قصيدة بعنوان «سوف نبقى واقفين» ومما جاء فيها:

سوف نبقى واقفين

مثل كل الشجر العالي، سنبقى

واقفين

سوف نبقى غاضبين

مثلما الأمواج في البحر

الكويتي.. سنبقى غاضبين

ابدا لن تسرقوا منا النهار!

أيها الآتون في الفجر على

دبابة

من رأى دبابة تجري حوارا؟

أبداً.. لن تجدوا في وطني

نجمة واحدة ترشدكم

نخلة واحدة تذكركم

ربما حطمتم أبوابنا

ربما روعتم أطفالنا

ربما هدّمتم البيت الكويتي

جدارا.. فجدارا..

غير أنا سوف نبقى..

مثلما الأشجار تبقى..

مثلما الأنهار.. والغابات.

والوديان»

والأنجم تبقى

مثلما حرية الإنسان تبقى

فاسحبوا خنجركم من لحمنا

وأعيدوا لؤلؤ البحر إلينا..

والمحار!

وارجعوا من حيث جئتم

نحن قوم نرفض القهر..

كبارا وصغارا

حيث تمشون على أرض

الكويت

سيصير الرمل جمراً

ويصير البحر ناراً

...ونجيب محفوظ: جريمة مزدوجة

وفي العدد الصادر في 15 أغسطس يتردد قويا صوت أديب مصر العالمي نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب، في التنديد بالغزو، فقد أعلن قائلاً:

«الحقيقة أن هذا الخبر أثار في نفوس الناس جميعا وبغير استثناء.. حزنا عميقا واستياء شاملا.. ولعلي لا أغالي إذا قلت إني لا أستثني من ذلك الحزن والاستياء الشعب العراقي نفسه.. والعمل في ذاته أعتبره جريمة مزدوجة.. فعلى المستوى العالمي.. هو ضد توجه العالم نحو السلام او إيجاد الحلول بالحوار.. وعلى المستوى العربي طعنة في أمل العرب الذي أزهر اخيرا في التعاون والتوجه نحو الحضارة والبناء.. ونحن نرجو صدام حسين أن تدركه الحكمة في اللحظة الأخيرة وتعود الأمور الى ما كانت عليه».

ماذا سيقول الكويتيون لأبنائهم؟

وفي يوم 16 أغسطس كتب الصحافي والسياسي الكويتي المعروف محمد جاسم الصقر مقالا بعنوان «ماذا أقول لولدي؟»

«عندما اندلعت نيران الحرب العراقية الإيرانية لم يكن ولدي «عبدالله» قد تجاوز الرابعة من عمره.

منذ ذلك اليوم، كان عبدالله يرفض أن يذهب الى سريره قبل ان يستمع من تلفزيون بغداد الى بيانات القادسية.

منذ ذلك اليوم كان عبدالله يستيقظ على صوتي الأجش أردد مع إذاعة بغداد أغنيات وأهازيج الحرب، حتى حفظ مطالعها قبل أن يدرك معانيها.

كانت كلمات العراق وبغداد والقادسية والقاطع الشمالي والطائرات السمتية.. اول ما تلفّظ به من كلمات بعد ماما وبابا والكويت.

لم يعد يعجبه من أشكال الاشخاص الا ما يشبه الجنود، في المدرسة أول موضوع كتبه عن معركة القادسية. وأول وجه أحب ان يرسمه بعد وجه جابر، كان وجه صدام، وأول نشيد حفظه عن ظهر قلب بعد «وطني الكويت» هو النشيد العراقي.

في الفريج «الحي» اسم فريق كرة القدم الذي شكله فريق أنصار العراق واسم كرته التي يفضلها «السمتيه».

مصروفه اليومي يضع معظمه في حصالته الصغيرة ويتحايل علينا بألف حيلة كي يأخذ منا ما يملأ به هذه الحصالة بسرعة قبل أن يفرغ محتواها في صناديق التبرع للقادسية».

اليوم يغفو «عبدالله» الفتى اليافع مقابل التلفزيون، والدمعة تحترق على خده وهو يشاهد بذهول كيف احتلت الدبابات شوارع الكويت وكيف داست اهلها ودكت بيوتها.

اليوم يغفو «عبدالله» الفتى اليافع، وهو يتابع بذهول روايات الاجتياح وقصص الاحتلال.. يغفو وفي عينيه البريئتين حزن عميق.. عميق.

اليوم يستيقظ عبدالله ألف مرة خلال الليلة الواحدة ليجدنا، أمه وانا، جالسين صامتين ذاهلين، تنساب الحيرة على خدينا فيختنق في فمه ألف سؤال وسؤال.

أوليس هذا جيش العراق نفسه الذي اجتاح وطننا وهدم بيوتنا وقتل إخواننا وروع أطفالنا ونساءنا؟.

أوليس هذا هو الجيش نفسه الذي كنا نعتبره درع كرامتنا وأمل انتصارنا وجذوة خلودنا والتعويض عن كل قهرنا وهزائمنا؟».

الثقافة.. ضحية أخرى

وفي 23 أغسطس يعلو صوت الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي منددا بالاحتلال ومسلطا الضوء على إحدى الضحايا البارزة للغزو: الثقافة:

«كل ضحية من ضحايا الغزو العراقي للكويت نالت نصيبها من البكاء، الا الثقافة، فإنها لا بواكي لها!

قيل إن الغزاة اقتحموا المصارف والمعارض والمتاجر، ونهبوا ما فيها من سبائك وبضائع وأموال، وقيل انهم دخلوا الفنادق والقصور، وانتهكوا الحرمات، واغتصبوا المضيفات، فضلا عن اقتحامهم البلد واغتصابهم للسلطة، وانتهاكهم للسيادة، ولا شك في أن هذا العدوان الوحشي على استقلال الكويت وحرية اهلها وامنهم، وأعراضهم واموالهم أولى بالفزع وطلب الغوث، وأحق بالتنديد وأدعى للوقوف في وجه المعتدين، لكن الثقافة في الكويت تستحق هي الاخرى ان نفزع لها، وان نقف معها في محنتها، فقد كان لها إسهام معروف في الدفاع عن الحرية والعقل ومخاطبة الوجدان العربي المعاصر».

ولقد كان الكويتيون من أنشط اهل الخليج سعيا لتلقي العلم والاتصال بالثقافة.

كانوا قراء مواظبين للصحف والمجلات المصرية، حتى انهم لجأوا الى طلبها من الهند بواسطة الإنجليز الذين كانوا يحتلون البلدين، عندما انقطع اتصالهم بمصر خلال الحرب العالمية الثانية.

الأنصاري يقرع ناقوس التحذير من كارثة

وفي 15 سبتمبر كتب المفكر البحريني البارز د.محمد جابر الأنصاري مؤكدا ان «لا بديل عن الكارثة إلا بعودة الكويت». قائلا:

إن كان ثمة مجال لإنقاذ العراق ذاته من كارثة محققة، فإنه لا يوجد غير خيار واحد، هو الانسحاب من الكويت وإعادة كيانها الدستوري.

اما البديل الآخر فهو الكارثة المحققة للعراق والمنطقة العربية وبمثل الاندفاع الذي أظهره العراق نحو احتلال الكويت، فإن الموقف يتطلب منه الان بعد اتضاح خطأ الحسابات المسبقة، جرأة وصراحة وأمانة مع الحقيقة ومع النفس قبل كل شيء باتخاذ قرار واضح لا لبس فيه بالانسحاب من الكويت، والاعتراف بالخطأ فضيلة، هذا هو البديل الوحيد للكارثة ما دام هناك متسع من الوقت -يضيق كل يوم- لاتخاذه، فهل ينقذ العراق نفسه وينقذ أقرب حلفائه الذين اصبحوا في وضع لا يحسدون عليه؟

فبعد جرد كل الحسابات المنطقية والواقعية يبقى هو الخاسر الأول من عملية احتلال الكويت في نهاية المطاف، وردود الفعل الدولية والعربية والاقليمية المتصاعدة لا تترك مجالا لأي شك في هذا التقييم، سواء سويت الازمة في أيام او طالت لشهور. (ولم يدر في تصور أي عربي أن هذا طريق الوحدة).

ولا يشارك العراق في تحمل العبء الأكبر من هذه الخسارة الفادحة - على مستوى العالم كله- سوى جيرانه العرب القريبين منه او البعيدين سواء كانوا من مؤيديه او معارضيه».

كلمة إماراتية إلى المصفقين لصدام

الكاتب والصحافي الإماراتي عمران كريم كتب في 28 سبتمبر «كلمة من القلب» وجهها الى أبناء الدول العربية التي أيدت أنظمتها غزو صدام او صمتت عليه. قال:

«أعلم أن غالبيتهم العظمى تدين وترفض ما أقدم عليه نظام بغداد ليلة الثاني من أغسطس (آب)، وأعلم ان الظروف التي جاءت بكم الى دول الخليج العربية، وأنتم موضع ترحيب وبين أهلكم وأشقائكم، هي ظروف الظلم الذي كنتم تعيشونه في بلادكم.

وهذا الظلم سواء كان سياسيا او اقتصاديا أو لأي سبب أخر تسببت به انظمة الحكم في بلادكم التي لم تتخذ مواقف واضحة من المصيبة التي تعرضت لها الكويت وشعبها. وهكذا فإن أنظمة بلادكم تتسبب في إلحاق الأذى بكم مرتين.

مرة بفشلها في توفير الظروف الاقتصادية التي تكفل لكم العيش الكريم، وأجواء الأمن والاستقرار بما يمكنكم من العيش بحرية وكرامة في بلادكم.

ومرة ثانية بموقفها من الغزو العراقي الذي جعلكم تحسون بالقلق والخوف وهو أحد أسباب هروبكم من بلادكم.

وأضاف: «أليست مأساة أيها الاخوة ان نظم الحكم في بلادكم، لا تشجب احتلال العراق للكويت، في وقت تضرر مواطنوها العاملون في الكويت من هذا الغزو حيث فقدوا ما جمعوه عبر سنوات العمل والجهد مع دخول أول دبابة عراقية الى الكويت؟!»

لكن سياسات هذه الأنظمة التي كانت سببا في هجرة مواطنيها بحثا عن العمل، لن تهتم بمصير هؤلاء المواطنين.. وما يهمها فقط ما تحصله هي من اموال تكدسها في بنوك أوروبا، وتنفقها على متعها وملذاتها».

صباح الحرب.. «صباح العودة»

مع حلول يوم 16 يناير (كانون الثاني) 1991 انتهت المهلة التي حددها المجتمع الدولي لصدام حسين لكي ينسحب من الكويت.. وهو لم يفعل ذلك، فأصبحت الحب هي الخيار الوحيد المتاح. «صوت الكويت» نشرت في ذلك اليوم افتتاحية تنبأت فيها بقرب التحرير والعودة، بعنوان «صباح العودة» كتبها الدكتور محمد الرميحي ومما جاء فيها: هو صباح الحرب يا وطني، وصباح التحرير، وصباح العودة الى أرض الوطن، وصباح انتصار الذاكرة.

16 يناير 1991 العالم اليوم في حالة حرب معلنة ضد نظام صدام حسين، 28 دولة تشارك عمليا في هذه الحرب، وباقي الدول تقوم بدور المساندة، والكويت اليوم كما كانت صباح 2 أغسطس1989 هي ضمير العالم وذاكرته المشتعلة بالحرية وبالسيادة وبالشرعية والاستقلال، وبحق الشعوب في اختيار مصيرها ورسم مستقبلها وبناء غد لأطفالها.

الكويت كانت وحتى ليل الثاني من أغسطس دولة تعشق هذا السلام، وتحتفل به مع كل مولود جديد يخرج الى النور، ومع كل طفل يأخذ طريقه الى ملعب الأطفال او باحة المدرسة، ومع كل طالب يستقر بطموحاته وأحلامه في مراكز البحث وفي رحاب الجامعة، ومع كل عامل وتاجر وموظف ومسؤول يعود في المساء الى بيته ليجالس أهله ويداعب أطفاله ويحلم معهم بالغد الآتي.

وجاء الغزو الوحشي ليضع الكويت شعبا وشرعية، أمام خيارين: إما الخنوع والاستسلام والقبول بالضم والإلحاق وطمس الهوية، وبالقمع تمارسه أجهزة الاستخبارات وبالإعدام العلني على يد ضباط من محترفي القتل. وإما المقاومة والرد على الرصاصة بالرصافة وعلى العنف بالعنف وعلى استعادة الشعار المنسي: ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وحتى بعد الاحتلال لم نجعل الحرب خيارا وحيداً اجتمعنا وعلى أعلى المستويات في قمة القاهرة وقلنا للمعتدي بالعربي الفصيح: اخرج من أرضنا.

ولم يخرج صدام حسين من الكويت واختار الحرب واختار التحدي واختار اللجوء الى القوة وقبل المجتمع الدولي وقبلنا معه هذا التحدي وهذا الخيار، وعادت الكويت الصغيرة مثلما كانت كبيرة بأشقائها وأصدقائها قوية بوحدتها وتلاحم شرعيتها وشعبها منيعة بصلابتها وإرادة نسائها ورجالها.

هو صباح الحرب يا وطن وصباح التحرير، وصباح العودة الى أرض الوطن وصباح انتصار الذاكرة.

«الحرب انتهت عندما بدأت»

وبالفعل بدأت حرب تحرير الكويت في ذلك اليوم وبعد ثلاثة أيام (19/1/1991) كتب الدكتور الرميحي في افتتاحية عدد ذلك اليوم «الحرب انتهت عندما بدأت» قائلاً: نعرف نحن كما يعرف صدام حسين أن الحرب انتهت عندما بدأت، وأن كل ما يصيب العراق وشعب العراق وجيش العراق من موت وهلاك ودمار هو بعد اليوم موت مجاني، ودمار عبثي وهلاك غير مبرر.

كان صدام حسين يراهن على أن احتلال الكويت هو أمر واقع، وأن العالم سوف يقبل هذا الأمر الواقع ويتعامل معه، وكان صدام حسين يقامر برصيده الدموي من حرب دامت ثمانية أعوام لإرهاب العالم ودفعه للرضوخ أمام هذا الأمر الواقع، وكان يسبح في قناعات ذاتية وأوهام شخصية تقول له إن الحرب لن تقع لأن العالم لن يحاربه ولن يضحي بأبنائه من أجل تحرير الكويت.

مازال صدام حسين يصر على مواصلة الحرب ويصر على مواصلة العدوان وعلى احتلال الكويت والتنكيل بشعبها وترك جيشه من أبناء شعب العراق ضحية لهوسه الشخصي، يحارب «مكشوفا» في مواجهة أكبر تحالف دولي وعربي عرفه التاريخ الحديث، وفي مواجهة أضخم ترسانة سلاح عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

هل هي آخر مراحل الجنون، وهل بات صدام حسين يرى أمراضه في الآخرين، وهل تصل العزلة بمسؤول عن مصير شعب الى أن يهرب من الحاضر الى كهوف التاريخ؟

ولولا أنها ليست ساعة للحزن، بل للقتال والجهاد والنضال على طريق التحرير والعودة لانفطر القلب حزنا على مصير شعب عربي يحكمه هوس مجنون، ويتحكم في حاضره ومستقبله، يولغ في دماء أبنائه من غير رحمة أو شفقة ويصادر باسمه الشخصي آمال وأحلام أجيال كاملة وليس في العراق وحده.

وبعد إرغام الطاغية على الانسحاب من الكويت اليوم قبل الغد، فإن شعب العراق سوف يقدم فاتورة الدم المهدور عبثاً ومجانا ولا بد للطاغية ان يدفعها وحتى آخر قطرة».

البشارة الأميرية
وفي 20 يناير نشرت «صوت الكويت» على صفحتها الأولى نص الكلمة التي بشر بها سمو أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح أهل الكويت بقرب بزوغ فجر نصرهم ليعودوا الى وطنهم بعد تحريره، مؤكداً أن حدتهم هي التي هزمت الغزو قبل أن تهزمه القوة. ومما جاء في الكلمة: «إخواني وأخواتي أبناء الكويت الاوفياء، لقد لاحت مع الخيوط الأولى لفجر يوم الخميس الثاني من رجب بشائر النصر وبدأ الحق يأخذ طريقه ليبدد الظلام ويدحر الطغيان.. وقد تكللت بالنجاح جهود العالم أجمع في الوقوف امام شريعة الغاب التي أرادها رئيس النظام العراقي أن تسود، حيث تغلب نهج العدل وصوت القانون على من حاول التفرد والتمرد على إرادة المجتمع الدولي، وان الظالم مهما طال أمد ظلمه فإن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.
... وعادت الكويت.. وانهزم العدوان

الأحد, 3 أغسطس 2008
منقول من جريدة «أوان»

MiLano
08-03-2008, 06:21 AM
عسى الله لا يعودها من أيام

اللهم أرحم شهداءنا الأبرار وأسكنهم فسيح جناتك يا رب العالمين

اللهم أحفظ الكويت وشعبها من كل مكروه


يعطيك العافية فهد الكشتي على الموضوع

عودة جميلة :)

تحياتي لك

محمد الصليلي
08-03-2008, 08:16 AM
اي والله عسى الله لا يعودها من ايام

وعسى الله يحفظ ديرتنا من كل مكــروه


ويعطيك الف عافيه اخوي فهد فعلا ابدعت وتميزت بالموضوع لانك دائما مميز ومبدع :)


تقبل تحياتي

عبدالله المطيري
08-06-2008, 05:51 AM
يعطيك العافيه اخي الكريم وشكرا جزيلا


تقبل تحياتي
عبدالله المطيري

ضـرار السـليم
08-06-2008, 06:04 AM
يعطيك العافيه اخوي فهد

نقلت فـ أبدعت

الله لا يعودها من أيام ( تنذكر و لا تنعاد )

اللهم احفظ الكويت و شعبها من كل مكروه

اللهم آآآمين

تقبل مروري مع خالص التحية و التقدير

قزومه بحرينيه
08-09-2008, 03:38 PM
اللهم احفظ جميع بلاد المسلمين

يعطيك العافيه اخوي

" فهد الكشتي "

تحياتي